الأرشيففلسطين

الحكيم جورج حبش: لن نقول وداعا لقيّم وديع حداد.

هذه رسالة كتبها والدي الدكتور جورج حبش في نيسان من العام 1995 في الذكرى السابعة عشر لرحيل شيخ المناضلين الفلسطينيين ورفيق دربه الذي بقي دوماً الأغلى إلى قلبه الدكتور وديع حداد. الذكرى التي تصادف اليوم في الثامن والعشرين من أذار، ذلك اليوم الحزين من العام 1978.
( لمي جورج حبش )

أذكر دوما قامتين كبيرتين وتاريخيتين بقي والدي حتى لحظات عمره الأخيرة يذرف دمعاً من الحنين والفقد لدى مجرد ذكرإسمهما وهما زعيم الأمة الذي لا يتكرر الرئيس جمال عبد الناصر وطبيب الفقراء والمسحوقين في مخيمات اللجوء الفلسطيني ، الثوري، النقي، ذات المعدن النادر من الرجال الرجال، رفيق دربه الغالي الدكتور وديع حداد.

هذه رسالة نقدمها بالنص الكامل لشعبنا الفلسطيني والعربي اليوم وفي هذه الظروف الحالكة، والمعقدة والحرجة التي تمر بها قضيتنا الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والتي أعتقد بأنها الأصعب والأخطر منذ نشأة هذا الكيان السرطاني الجاثم فوق صدورنا.

نقدم هذه السطوراليوم بالذات لأن ما جاء فيها يبين بأنه في تاريخ قضيتنا الفلسطينية، تبدلت الأزمنة والظروف والإيدولوجيات و لكن بقي لكل زمان رجاله الأنقياء الذين قدموا ذاتهم قرباناً على مذبح هذه القضية العادلة الى درجة القداسة.
وفي كل هذه الظروف والأزمنة بقي الغرب هو الغرب بأطماعه الجشعة والشريرة، الغرب الذي بقي منذ ذلك الحين يتهم المناضلين الأشداء المدافعين عن الحق والحرية والعدالة بالإرهاب بينما هو ذاته مصنع الشر ومنبع الإرهاب في هذا العالم!
لمى جورج حبش
28 أذار 2025

لن نقول وداعا لقيّم وديع حداد

كُثر هم الرجال الذين أعتز بهم ، وأتمنى أن أكون قد غادرت قبلهم، كي لا يحمل قلبي عبء محبتهم، وروحي عذاب فراقهم . لكنها الحياة التي قضت لي كما لكل أبناء شعبي أن أتعايش و الظلم وأتشرب الاَلاَم والأحزان . لكني وشعبي لم نفقد الأمل في يوم من الأيام ، هذا الشعب الذي إمتشق نفسه حين لم يكن لديه سيف وقاتل عن لحظة وجوده، حين كان الوجود يعادل الأرض . لتكبر الأرض على وجودنا وأرواحنا.

وديع حداد كان رجلاً من بين هؤلاء الرجال الذين جالوا الأرض وصعدوا إلى السماء . رجل جاور وجوده وجودي ، وروحه روحي ، وعقله عقلي . رجل سما بنفسه فسما وطنه به ، وحملت أنا عذاب فراقه . فغاب وديع ولم يغب الوطن، حلّق إلى أعالي المجد و قبب السماء ، وبقي حلم الشعب وحق الشعب يكبر بدفء دماء الشهداء ويرتوي من ندى شجرة زيتون ويقتات من صخور القدس الراسخة. إنه الحلم الذي لا زال يحلّق في كبد سماء صفد الشامخة.

هو هو وديع حداد لم يبرح يوما جلد الأرض ، لم يفترش يوماً إلا زمن الأصرار العنيد بالحق وللحق. كان خير شاهد وشهيد. كان من الشعب وللشعب،من جرح الشعب نما وكبر بحجم إتساع الجرح ، فكان البلسم في إبتسامته العذبة وهدوئه الشامخ.

حين إختار الطب مهنةً ، وهب علمه لفقراء شعبه، كان بسماعة الطبيب يجس نبض الشعب الفلسطيني الذي بدا لكل العالم بأنه شعب يحتضر. وحده وديع كان يسمع دوي الشعب العظيم وصراخه المجلجل في أرجاء الكون. نحن شعب ينبض بالحرية، شعب يحب الحياة. نحن شعب فلسطين قالها وديع ” نحن لسنا هنوداً حمر ” فليرحل كل الغزاة المغتصبين .

قالها بوعيه الثاقب لعظمة روح الأمة العربية، التي سكنت إلى ما وراء فلسطين فحملتها بسواعد العروبة إلى وجدان كل عربي حر. فصارت فلسطين عنوان الأمة و رمزها ومفتاح قلبها ، فلا عروبة دون فلسطين ، و لا فلسطين بدون عروبة . إنه زواج الخيول الأصيلة المنحدرة من عدنان وقحطان . من بيروت وبغداد ودمشق وعمان وقاهرة المعز إلى المغرب العربي واليمن.

وديع النابض بالحرية ، كان يرى فيها كلا متكاملا، طيراً جميلا يجب أن يرفرف في سماء كل شعوب العالم المُضطهد ، قال أنها الحق المماثل للوطن ، والحامي له، باعث الحياة في سهوله وهضابه وصحاريه.

كان ظلم القارة السوداء يهز كيانه، وأحذية جنرالات أميركا اللاتينية تغص قلبه، وبؤس الهند يمزق ضميره ، فتوحدت خنادق الأعداء وإتحدت شبكة الأخطبوط الإمبريالي البغيض وذراعه الغليظة التي دكت أعناق الشعب الفلسطيني فقتلت أطفاله وصادرت أحلام شبابه . إنها أيدي الصهاينة القتلة التي أخرجت وديع حداد من ديار أجداده، و شردته في أصقاع الأرض حاملا منفاه على كف الريح ووطنه على أكتاف الرجال وإرادتهم.
حين أستحضر وديع حداد أراه وقد نبت شامخاً من صخور صفد الصلدة ، و قد ترعرعت لديه الرغبة الجامحة في معادلة كفتي الميزان، بين الحق المغتصَب والعدو المُغتصب، حق مطلق لا تخدشه حرارة الإضطهاد ، و لا يُنقصه بطش مُحتل اَثم.

وعندما عقد وديع العزم ككل أبناء جيله، إندفع يبحث عن متراس يقاتل خلفه عذاب التشرد والفقر والجهل والإذلال . إندفع يملؤه الأمل بأن البندقية هي صانعة الإنتصارات، وأن حرب الشعب ممر إلزامي لا بد أن نسلكه. وملاحقة العدو في كل مكان هدف مُقدس، لماذا؟! لأن هذا العدو البغيض كان ولا يزال يلاحق شعبه و يقتله في كل مكان تصل إليه هدير طائراته و شظايا مدافعه وأحذيته القذرة. فمن القاتل؟! ومن الإرهابي؟! ومن المجرم؟! إنه ليس وديع حداد ولا شعب وديع حداد ، وحدهم الصهاينة هم القتلة والمجرمون، سفاحي دير ياسين، قبية، الجورة، ووادي غزة.

أوليس من حق الضحية الصراخ؟ إنهم يستكثرون علينا ذلك، ومن قال أن وديع حداد وكل رفاق وديع حداد من أبناء فلسطين أنهم إرهابيون! من قال هذا ؟ هم فقط أعداء الحرية و التحرر والحق والسلام، هم صناع الموت الأسود الذين أرادوا تسويق هذه المعايير. إن من شرد شعب وديع حداد من ربوع وطنه هم الإرهابيون، أحفاد هرتسل وصاحبة التاج العالي وربيبها بلفور، وأبناء جابوتنسكي وموشي دايان وغولدا مائير وبن غوريون. أؤلئك هم الإرهابيين الملفحين بعباءة البيت الأبيض وطائرات الفانتوم. لم يكتفوا فقط بتشريد شعب، بل عملوا وخلفهم كل اَلات الإعلام الغربي الصفراء لضرب قيمنا النضالية وتشويه معاييرنا الأخلاقية والروحية، محاولين المساواة ما بين الحق والموت ، ما بين الكفاح والإرهاب، فكل من علا صوته “قاتل” ، و كل من حملت كفاه بندقية للذود عن شعبه ” مخرب” وكل من قال أن فلسطين لشعبها فهو إرهابي.

أتساءل هنا ماهو الإرهاب؟ وما السبيل إلى معيار ” الغرب الحضاري” في ميزان العدالة والحق والحرية و المساواة . لقد تأملت طويلاً في معايير الغرب فلم أجد لديهم غير معيار واحد ووحيد، إنه معيار مصالحهم العليا. إنهم يعملون دوما على إنتاج القيّم و القيّم المضادة لخدمة هذه المصالح والحفاظ عليها وعلى كل من يخدمها . فالأنظمة الفاسدة والقمعية المترامية في كل بقاع العالم الثالث، برأي الغرب هي أنظمة عدالة وإعتدال يدعمها الغرب بكل قوة لكي تبقى مطبقة على أنفاس شعوبها، ما دامت هذه الأنظمة تخدم مصالح الغرب ، لا بل يجب الدفاع عن هذه الأنظمة و إخراجها من قوائم الإرهاب والقمع وخرق قوانين حقوق الإنسان. فجنرالات أميركا اللاتينية لا بأس بهم وإن حولوا بلادهم إلى جمهوريات فقر وحروب أهلية. والنظام العنصري البغيض في جنوب إفريقيا يبقى ما دامت حفارات الماس تعمل لخدمة شركات الإمبراطورية، وسوموزا تصنع منه كل نموذج وتعيد إنتاج ماركوس والشاه على جماجم الفقراء. إنه الغرب الذي زرع الكيان الصهيوني الغاصب في قلب الأمة ليمزق أوصالها، و يفتت شعوبها ويقتل أطفالها .

كل هذا لم تقترفه يدا وديع حداد ولا رفاق وديع حداد الذين تعرضوا لمحاولات بشعة من التشويه الإعلامي من قبل اَلة الإعلام الغربي والحركة الصهيونية بهدف طمس روح الكفاح و الثورة في نفوس الأجيال القادمة ، وهمّهم في ذلك إنتزاع وديع حداد وقيّم وديع حداد من ضمير شعبه وأمته وضرب قوة المُثل التي مثلها في التضحية والفداء والعطاء . هذا ما يرمي إليه الغرب وما تهدف إليه الصهيونية.

إن خطورة إتفاقيات أوسلو والتي لا تلبي الحد الأدنى من طموحات شعبنا الفلسطيني ليس التفريط بالأرض والتمدد الإستيطاني فحسب، بل إن الخطورة الأكبر تكمن في تدمير الروح النضالية لدى الأجيال القادمة وضرب منظومة القيّم الكفاحية والأخلاقية والروحية التي جسدها عزالدين القسام وعبد القادر الحسيني وغسان كنفاني وكمال عدوان ووديع حداد وأبو جهاد وكل الشهداء والمناضلين الذين جسدوا قوة المثل وليس من قاموا بتوقيع إتفاقيات أوسلو المشؤومة التي تغسل أيدي بني صهيون من دماء أطفالنا الذين لا يزال رابين و بيرس يقتلونهم مع طالع كل صباح . تلك الإتفاقيات التي أرتضت أن تصبح القيادة الفلسطينية وسلطة أوسلو شرطياً بهراوة غليظة تُسلط على رقاب شعبها و أبناء جلدتها والتي تعمل على شطب ذاكرتنا ومحوها من كل القيّم التي رسخها وديع حداد وغيره من الشهداء . لذلك لن نقول وداعاً لقيّم وديع حداد ، بل لنزرع هذه القيّم ونرسخها في أعماق قلوبنا وضمائرنا لتزهر حرية وكرامة وسلام.

د. جورج حبش
مؤسس حركة القوميين العرب والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
3 – نيسان 1995